كما تعلمون فقد كنت أري أن هناك بدائل سلمية لفض هذا الاشتباك المجتمعي وكانت هناك حلول مطروحة ومقبولة لبدايات تقودنا إلي التوافق الوطني، ولكن الأمور سارت إلي ما سارت إليه. ومن واقع التجارب المماثلة فإن المصالحة ستأتي في النهاية ولكن بعد تكبدنا ثمنا غاليا كان من الممكن - في رأيي - تجنبه.
لقد أصبح من الصعب علي أن أستمر في حمل مسئولية قرارات لا أتفق معها وأخشي عواقبها ولا أستطيع تحمل مسئولية قطرة واحدة من الدماء أمام الله ثم أمام ضميري ومواطني خاصة مع إيماني بأنه كان يمكن تجنب إراقتها.. وللأسف فإن المستفيدين مما حدث اليوم هم دعاة العنف والإرهاب والجماعات الأشد تطرفًا وستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلي الله.
«وقى الله أرض الكنانة وشعبها العظيم وجيشها الباسل »
هذا هو الجزء الأخير من نص إستقالة الدكتور «محمد البرادعي» من منصبه كنائب لرئيس الجمهورية.. تلك الإستقالة لم تكن مقدمة لرئيس الجمهورية فحسب.. بل مقدمة للشعب المصري وكاشفة لطبيعة هذا الرجل الذي إدعى الكثيرون عليه بأنه يبحث عن سلطة منذ عودته إلى مصر بعد إنتهاء فترته الثانية كمديراً للهيئة الدولية للطاقة الذرية.. والحقيقة التي باتت واضحة للجميع بعد إستقالته أنه لم يكن باحثاً عن سلطة يستأثر بها.. بل يبحث عن مجتمع يشارك في تحويلة إلى مجتمع مثالي يلتزم فيه المواطنون بتعاليم و ارشادات السماء التي جاءت بها الأديان على المستويات الاخلاقية و الاجتماعية و السياسية والإقتصادية، وانزال تلك القيم و المعارف الى حيز التطبيق في الوسط الاجتماعي من توحيد و عدل و بسط للقسط و رفض التمييز الطبقي و وحدة و انسجام و تكافل اجتماعي و حرية فكرية و علم و معرفة و استقرار أمني.. بدلاً من تلك الأكوام الهائمة المتخبطة التي تتشكّل أجزاؤها وجُزيئاتُها من المساوئ والآثام، فهي حشود فارغة عقيمة مغلقة أبوابها أمام كافة ألوان الخير والفضيلة والخلق والجمال والتقدم.
استقالة البرادعي كانت إعتراف منه بأن السلطة الحاكمة بعد ٣٠ يونيو لا يعنيها المجتمع وتوحده وتقدمه.. قدر ما يعنيها وتستهويها فكرة الإنتقام التيار الذي كان يحكمه، واستطاعت عن طريق أجهزتها الأمنية والإعلامية أن تنقل هذه الأفكار إلى المجتمع الذي أصبحت فكرة الإنتقام عنده مسبقة على فكرة التسامح التي تبنى عليها المجتمعات.. فالمجتمع لن يستقيم قوامه إلا في بيئة فاضلة تملؤها المودة و التراحم و الاحترام كالتي كانت في صدر الإسلام و قال عنها صلى الله عليه و سلم "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" رواه مسلم ، ففي هذا الحديث الشريف وصف المصطفى صلى الله عليه و سلم حال المجتمع بشكل دقيق حيث أن شكوى العضو في الجسد تلقى اهتمام من سائر الجسد بشكل لا إرادي دونما تردد أو تأخير فسلامة ذلك العضو تهم كل عضو آخر في الجسد بل أكثر من هذا أن الجسد يشارك ذلك العضو الألم و يتألم كله لألمه و يبدأ كل عضو في مد يد العون له كلن بقدر استطاعته.. والجسد هنا هو المجتمع المصري الذي تقف السلطة حائلاً دون معالجة أحد أعضائه المريضة وهو التيار المنتمي لفكر جماعة الإخوان المسلمين.. وتصر على بتر هذا العضو متبنيين مقولة « الصباع الي يوجعني أقطعة.. ماعلجوش » وهي طريقة لن تستقيم في هذه الحالة لأن هذا العضو ليس عضو ثانوي بل عضو أساسي في هذا الجسد.. فأصحاب فكر الجماعة رغم أنهم أقلية لا يمكن تجاهلهم.. فما هكذا تبنى وتعيش المجتمعات.. المجتمعات تقوم على المشاركة كلٌ حق قدره.
الأسباب الواردة في إستقالة البرادعي والمبنية والتي كانت مبنية على توقعات من واقع خبرات وأحداث شبيهة ومتراكمة عبر التاريخ.. بالفعل حدثت ولم يتبقى منها سوى المصالحة التي أصبحت قاب قوسين أو أدنى من التحقق.. فالتيار المتبني لفكرة العنف أصبح في طريقه إلى الإستسلام رويداً رويدا.. والدولة المنهكة منذ ثلاثة أعوام تبحث عن طريق للخروج من دوامة الإرهاب والعنف بعد أن أيقنت أن الحل الأمني وحده غير مجدي وفي طريقها للبحث عن الحل السياسي وهذا ما بات واضحاً في تصريحات رئيس الوزراء عن رفضه تسمية جماعة الإخوان المسلمين بالجماعة الإراهابية خوفاً من تعقيد الموقف أكثر من ذلك قبل أن يطرح على المجتمع فكرة المصالحة.
ما أتمناه عندما تقر المصالحة.. أن تحترم الدولة نفسها وتعتذر مرتين.. مرة للشعب المصري الذي لعبت بعواطفه وسقته من كأس الكراهية والإنتقام التي لم يكن يوماً من صفاته فهو شعب معروف دائماً بالتسامح والرحمة، وأهدرت كل هذه الأرواح والوقت من أجل ما تسميه بهيبة الدولة التي لا يمكن أن تعود إلى باحترام مواطنيها.. ومرة أخرى للرجل الذي كان يريد أن يجنبنا كل هذا فما كان من الدولة سوى إطلاق أجهزتها المسعورة عليه منذ اليوم التالي لـ ٣٠ يونيو.
وقتها يجب أن تبحث الدولة عن إجابة مقنعة عندما تُسأل ما ورد في إستقالة البرادعي .
شاركنا رأيك وكن اول من يقوم بالتعليق :)[ 0 ]
إرسال تعليق