فى الأسابيع الأخيرة التى سبقت 30 يونيو، كانت المناقشات ساخنة للغاية بين شباب الحركات والأحزاب التى أسهمت وأيدت ثورة 25 يناير، والتى ضحى فيها ما يقرب من ألف شاب مصرى بأرواحهم الغالية، حول الدور المتزايد «للفلول» فى المظاهرات والفاعليات التى يتم تنظيمها فى طريقنا نحو الخلاص من الحكم الإخوانى الفاشى، الذى كان يدفع البلاد دفعا نحو الحرب الأهلية. كما انقسمت المنظمات الشبابية حول مضمون «خريطة الطريق» التى كان يجرى النقاش حولها فى ذلك الوقت بشأن الدور المنوط للقوات المسلحة، وحجم النفوذ الذى يجب أن تتمتع به بعد التخلص من الرئيس مرسى، الذى كان يقوم بمفرده، ودون أى مجهود من ناحيتنا، بزيادة الغضب الشعبى نحوه من خلال قراراته الخرقاء المتتالية سواء عبر تغيير الوزراء أو المحافظين، أو تبنى قوانين مجحفة كتلك الخاصة بالقضاة وإجراء الانتخابات. حينها، كان غالبية قادة الأحزاب المنضوية تحت لواء جبهة الإنقاذ يقولون إن المعركة باتت أساسا من أجل الحفاظ على الدولة المدنية، مقابل نظام إخوانى يدعم دولة دينية فاشية يقودها هواة ومنعدمو خبرة، وأن «الفلول» ورموز الدولة الأمنية القديمة أصابهم الضعف والوهن بعد الإطاحة برموزهم، ولذلك فإن أى مواجهة متوقعة معهم ستبقى أكثر سهولة من المعركة التى فرضها الإخوان على المصريين. وكانوا يؤكدون أن المعركة الآن هى للتخلص من رئيس فاشل، وإجراء انتخابات رئاسية جديدة، وذلك من أجل استعادة أهداف ثورة 25 يناير التى لخصها شعارها البسيط المبدع: عيش، حرية، عدالة اجتماعية، وكرامة إنسانية. كنت أحاول تجاهل شكوكى بشأن سهولة المعركة المتوقعة مع الفلول، لأنى كنت على يقين أن الدولة الأمنية المتجذرة على مدى عقود من الهيمنة، والتى ازدادت شراستها فى دولة الفساد التى ترأسها مبارك، لم تتم هزيمتها، وأنها قامت فقط بإحناء رأسها أمام العاصفة. كما أن تجربة 12 فبراير 2011، بعد أن اتفق الجميع على العودة للمنازل فى اليوم التالى للإطاحة بمبارك وتسليم المسؤولية كاملة للمجلس العسكرى السابق بقيت عالقة فى ذهنى. ففى كلتا الحالتين، 12 فبراير 2011، و3 يوليو 2013، كان النصر يبدو كبيرا جدا، سواء بالتخلص من ديكتاتور كمبارك أراد توريث البلد لابنه بعد أن بقى فى الحكم ثلاثين عاما، أو بالإطاحة بمرسى الذى كان يظن أنه كان وصل إلى حكم مصر هو وجماعته الإخوانية عبر نصر إلهى، ولا يمكن أبدا أن يزيحهم أحد. وفى أعقاب مثل هذه الانتصارات، يكون السائد هو الأمل والتفاؤل، والرغبة فى تسليم دفة القيادة لطرف يحقق ما قامت من أجله الانتفاضات الشعبية، لا توقع استمرار المواجهات والمعاناة. ولكننى، وفى أسوأ الأحوال، لم أكن أتوقع أبدا أن تبدأ المواجهة بمثل هذه السرعة، أو أن القائمين على الدولة الأمنية القديمة سيبقون متمسكين بغبائهم المعهود. وبدلا من أن يسعى النظام الجديد الذى قام فى أعقاب الإطاحة بمرسى بتوسيع دائرة تحالفاته وترسيخ القائم منها، خصوصا فى ضوء المواجهة الإرهابية مع الجماعات المؤيدة للإخوان والأوضاع الأمنية والاقتصادية الصعبة التى تمر بها مصر حاليا، فإنه انقلب سريعا على حلفائه، الذين لولا جهودهم وتضحياتهم فى مواجهة الإخوان على مدى عام كامل، لما تمكنوا من الوصول إلى مقاعد الحكم الآن. لم أكن أبدا من بين المهاجمين للحكومة الحالية لأنها تضم أساسا رموزا أعرف جيدا أنها تتعرض لهجوم ضار من قبل الفلول لمشاركتهم فى ثورة 25 يناير وتأييدهم للإطاحة بالمخلوع. وهؤلاء الرموز، فى نضالهم فى مواجهة الرئيس الإخوانى مرسى، قالوا إنهم سيسعون فى حال نجاحهم إلى «استعادة» أهداف ثورة 25 يناير والسعى لتحقيقها، وليس لإصدار قوانين قمعية كذلك الخاص بالتظاهر، أو للتواطؤ مع وزير للداخلية كان بعضهم من بين المطالبين بإقالته بعد أن تقوم قواته بالاعتداء بوحشية على متظاهرين سلميين أمام مجلس الشورى يعترضون على قانون ظالم يحمل بوضوح بصمات رجال مبارك فى المؤسسة الأمنية.
كما كنا نتوقع من ممثلى أحزاب المصرى الديمقراطى الاجتماعى والدستور والتيار الشعبى والوفد فى الوزارة الحالية أن يكونوا فى مقدمة الداعين إلى خضوع المؤسسة العسكرية للرقابة البرلمانية كأى من مؤسسات الدولة الأخرى، وليس أن يحط على رؤوسهم الطير ويلتزموا الصمت المطبق، وربما يرحبون بتضمين الدستور مواد تسمح بمحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية ومنح المؤسسة العسكرية سلطة مطلقة فى تعيين وزير الدفاع. إذا لم يكن هؤلاء السادة الوزراء قادرين على استعادة أهداف ثورة 25 يناير كما تعهدوا، فهنا يكون الرحيل واجبا، ولكى تكون خطوط المواجهة واضحة للجميع.
منذ اليوم التالى لرحيل مبارك، وهذه الخطوط ماثلة للعيان: معسكر الفلول والدولة الأمنية القديمة القمعية المتجذرة، ومعسكر الإخوان وأنصارهم ممن يتمسكون بمشروع فاشى لا علاقة له بالديمقراطية من أجل فرض فكرهم وتشددهم على كل المصريين، ومعسكر التغيير الحقيقى المتمسك بأهداف ثورة 25 يناير وبناء دولة ديمقراطية حديثة تكون الأولوية فيها للعدالة الاجتماعية. بعد الإطاحة بالرئيس السابق مرسى، سمعت من أحد قادة جبهة الإنقاذ قوله: الآن عدنا إلى المربع الأول حيث بدأنا بعد ثورة 25 يناير، وسنقوم بإعداد دستور تليه انتخابات رئاسية وبرلمانية. ولكن ما شهدناه الأسبوع الماضى، من عنف مفرط على يد قوات الأمن، وقوانين جائرة، ودستور ملفق، كلها مؤشرات إلى أننا عدنا لما قبل المربع الأول، مع الفارق أن مؤيدى ثورة 25 يناير كسروا بالفعل حاجز الخوف، ومن استطاع التخلص من ديكتاتور كمبارك، لن يقبل أبدا بعودة دولته الأمنية القمعية.
شاركنا رأيك وكن اول من يقوم بالتعليق :)[ 0 ]
إرسال تعليق