لماذا يسرق الديكتاتور؟
فكرت: وهل يشعر أنه يسرق؟
إنه الإله/ مانح هذه البلاد حياتها/ طمأنينتها/ استقرارها/ والمال ماله والأوراق أوراقه لأن البلد بلده.
الديكتاتور يسرق لأنه لا مسافة بين خزائن الدولة وجيبه الخاص/ رصيده هو ثروة البلد كلها/ المال هو مكمل السلطة وبانى الديكتاتورية طوبة طوبة.
حكى لنا أحد مستشارى مبارك أنه دخل فى أحد أيام 1986 على مبارك ووجده حائرا… فاستفسر المستشار وعرف سر الحيرة: الرئيس وقتها كان يفكر كيف يشترى شقة لكل ولد من أولاده فى مدينة 6 أكتوبر.
المستشار حكى لنا الحكاية سنة 2007 تقريبا عندما كنت أعمل فى صحيفة «الفجر»، وتبعها بمقارنة فى صيغة سؤال: «كيف تغير الحال وأصبح الأولاد ينتقلون بطائرات خاصة…؟».
يومها التقطنا من المفارقة عنوانا للصحيفة/ وهو ما قلب الدنيا على المستشار ودفعه لإنكار ما قاله/ ولم يكن جديدا عليه فقد تكررت الأحداث والوقائع التى تنمحى فيها المسافة بين الاندفاع والتراجع (ولأسباب متعددة ليس هنا مجالها لم يسمح وقتها بالرد على المستشار من واقع شرائط الكاسيت…).
المهم فى الحكاية أن القوانين فى مصر تتم صياغتها على مقاس الديكتاتور/ ورهن إرادته/ وهذا ما يجعل منسوب «الألوهية» يرتفع مع السنوات لنرى الفارق بين مبارك وهو يفخر فى سنواته الأولى بارتداء بِدَل المحلة السفارى وبين مبارك الذى ارتدى فى خطابه الأخير بدلة من قماش مطبوع عليه اسمه فى خطوط متوازية.
هذه المسافات يشغلها الديكتاتور بمشاعر «تَمْسَحَة» قادرة على ابتلاع البلد كله/ أو على توزيعه بالقطعة/ على الحاشى/ والفتات/ الذى يخفف غضب الشعب ويروّضه.
القوانين فى مصر مصمَّمة على «التَمْسَحَة..» ولهذا عجزت عن ملاحقة أموالنا المنهوبة من مبارك وعصابته/ ولم يتحرك أحد ممن تحدثوا باسم الثورة «الطاهرة أو المجيدة» أو الذين غنّوا للاستقرار والوطنية المصرية إلى تغيير البنية القانونية للدولة لتصبح بيئة غير صالحة لتربية التماسيح.
على العكس لم يهتزّ «الأطهار» و«الاستقراريون» و«الوطنيون» لكل ما يجعلنا نسرق بالقانون/ بينما ينتفضون ضد كل ما يحمى الثورة والثوار/ ويمارسون سلطاتهم لتلغى آثار قوة المجتمع وتعود للحاكم قدرته على التَمْسَحَة.
هذا ما تدركه ببساطة إذا تأملت موضوع أموال مبارك/ الركن الركين فى هدم الديكتاتورية/ فلم يخرج ديكتاتور من الحكم إلا وكان المال قرينه/ ثروات مستبدة وديكتاتوريات مالية/ ولنقرأ حكايات كل الطغاة من ماركوس فى الفلبين حتى بن على (الذى تكشف الرئاسة التونسية فضائحه فى عطايا صحفيين مرتزقة فى القاهرة/ مازالوا مرتزقة كل ديكتاتور ويحاولون ترميم بناء العفن الذى يسمح للديكتاتور بقهرنا وسرقتنا… تحت رغاوى وغازات سامة من كتاباتهم..).
أين أوراق مبارك؟ ماذا وجدت جهات التحقيق فى مكاتبه؟ أين أوراق حساباته الشخصية والعائلية؟
أسئلة حاولتُ أن أعثر على خيطها فى رحلة سويسرا: «.. هل منحتْ سويسرا معلومات للسلطات المصرية عن حسابات مبارك.. وعصابته؟».
الإجابات دائما كانت تشير إلى السرّية/ أو أن هذا يتم فى مفاوضات لا يصرَّح بإعلان تفاصيلها أو تداولها مما يضر بسير القضية ومصير الأموال.
الإشارة المهمة التى عثرتُ عليها بالأسئلة هى أن سويسرا فى إطار محاولة صنع صورة جديدة لها/ أو لحماية اقتصادها المعتمد على البنوك لن تكون مرة أخرى «جنة الديكتاتوريات المالية».
وحكى المسؤول فى الخارجية السويسرية عن «حالة موبوتو» التى أسفرت التحقيقات حول أمواله عن ضرورة إعادتها إلى بلاده (الكونغو) لكن طول التحقيقات جعل الدائرة تدور وتولَّى ابن موبوتو المسؤولية ليرفض رد الأموال للدولة (لتعود إلى عائلته) وهو ما دفع سويسرا إلى إنشاء منظمة مساعدات للكونغو على ما فعله الديكتاتور.
أما «حالة مبارك» فتدفع سويسرا إلى قانون جديد يناقَش الربيع القادم/ سيكون فيه من حق الجهات القضائية السويسرية إجراء تحقيق جنائى حول «الأموال الملوثة القادمة من الفساد السياسى».
القانون الجديد سيجعل حمايتنا من الطاغية القادم يبدأ من سويسرا التى ستخرج قريبا من قائمة «جنات الديكتاتور».
.. وما زالت الحكايات عن كنز التمساح مستمرة.
شاركنا رأيك وكن اول من يقوم بالتعليق :)[ 0 ]
إرسال تعليق