يعلم الجميع أن الاستفتاء المقبل على مشروع الدستور الذى انتهت منه لجنة الخمسين قبل أيام، سيكون فى الواقع تصويتا يحدد فيه المصريون مدى دعمهم لخريطة الطريق الجديدة، التى تم إعلانها فى 3 يوليو بعد عزل الرئيس الإخوانى السابق محمد مرسى، وليس بالضرورة تعبيرا عن رضائهم من عدمه عن مضمون مواده العديدة التى تقترب من 250 مادة. والإخوان المسلمون سيهاجمون مشروع الدستور بضراوة، ومعهم أنصارهم من الجماعة الإسلامية وحزب الوسط، حتى لو كان يتضمن أفضل المواد على الإطلاق، وذلك لأنه نبعَ من سلطة لا يعترفون بها ولا يقرون بشرعيتها.
ولكن ما يجب أن تدركه الحكومة الحالية التى تدعم مشروع الدستور وتدعو للتصويت عليه بـ«نعم» أنه وبعد خمسة أشهر من توليها مسؤولية إدارة البلاد، فإن الاستفتاء سيتأثر بالطبع بمدى رضا غالبية المواطنين عن أدائها خلال تلك الفترة، وإذا كان هناك ما يوحى بالثقة بأنها ستكون جادة فى الالتزام بمواد الدستور. ولذلك أشعر باستغراب شديد من سعى الحكومة الحالية الحثيث لاستعداء قطاع واسع من شباب الأحزاب والحركات الثورية قبل الاستفتاء، وذلك عبر حبس نشطاء كعلاء عبد الفتاح وأحمد دومة وأحمد ماهر، وملاحقة محمد عادل لمحاكمتهم وفقا لقانون التظاهر غدا الأحد، رغم أن كل منظمات حقوق الإنسان المحلية والعالمية، وكذلك مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ومعظم الأحزاب أجمعت أن هذا القانون ينتهك حقوق التجمع السلمى والتعبير عن الرأى ويفرض عقوبات قاسية مبالغ فيها. والأسوأ هو العودة لترديد نفس الاتهامات المحفوظة من عهد المخلوع مبارك بالعمالة للخارج، وتلقى الأموال، والتواطؤ مع الإخوان، والسعى لزعزعة استقرار الوطن، وتهديد أمنه وسلامته فى عديد من وسائل الإعلام.
من غير المعقول ولا من المنطقى أن تقوم كل الحكومات، بداية بالرئيس المخلوع حسنى مبارك، ومرورا بالمجلس العسكرى وجماعة الإخوان والآن حكومة رئيس الوزراء حازم الببلاوى، باعتقال نفس هؤلاء الشباب والعمل على تقييد حريتهم رغم تغير الوجوه، إلا إذا كان الممسكون بالمفاتيح الأساسية للنظام فى أجهزة الأمن ما زالوا كما هم لم ينلهم أى تغيير ويشعرون أن الفرصة باتت مهيأة الآن للانتقام. وعندما رأى رجال الأمن المتظاهرين السلميين أمام مجلس الشورى للاحتجاج على السماح بتضمين الدستور موادّ تبيح محاكمة المدنيين عسكريا وترسخ من نفوذ المؤسسة العسكرية، كان الالتزام كوميديا جدًّا حتى بنصوص قانون التظاهر الظالم نفسه والخاصة بالتدرج فى استخدام القوة لتفريق المتظاهرين. وفى نفس اللحظة التى كان يتم فيها استخدام خراطيم المياه، كان رجال الأمن يقومون بالاعتداء بالضرب الوحشى واعتقال المتظاهرات والمتظاهرين الذين بدا أنهم يعرفونهم جيدا منذ أيام المواجهات فى زمن المخلوع.
الجيل الذى ينتمى إليه دومة وعبد الفتاح وماهر، هو الذى أطلق شرارة ثورة 25 يناير 2011، وطالب بالكرامة لكل المصريين، ورفض الصفقات والاتفاقات الفاسدة التى كان يعقدها قادة الأحزاب السياسية فى عهد مبارك مع مباحث أمن الدولة تمهيدا لمشروع التوريث، ولم يخش قمع أجهزته الأمنية. ولو كان رجال أمن مبارك يمتلكون ولو دليلا ضعيفا واحدا على عمالتهم للخارج أو تلقيهم أموالا بطريقة غير مشروعة، لكانوا ما زالوا خلف القضبان حتى الآن. وهو نفس الجيل الذى تصدر الصفوف الأولى للإطاحة برئيس عشيرة الإخوان فقط فى 30 يونيو، عندما تيقن أنه تخلى عن تحقيق أهداف ثورة 25 يناير، من عيش وحرية وعدالة اجتماعية، واهتم بتمكين جماعته والسيطرة على أجهزة الدولة، مما دفع البلاد بالفعل نحو انقسام غير مسبوق وشفا حرب أهلية وطائفية.
هذا الجيل الشاب يسعى لتغيير حقيقى وجذرى فى الطريقة التى تدار بها مصر منذ ستة عقود على يد الأجهزة الأمنية، التى تحتكر تعريف الوطنية بينما هى فى الواقع تحافظ على مصالحها المتجذرة، ولن يرضى بنصوص جميلة منمقة فى دستور تم التفاوض بشأن مواده فى سرية غريبة، والأهم من دون أدنى ثقة فى النخبة الحاكمة التى ستقوم بتطبيقه، والتى تتناقض تصرفاتها على أرض الواقع مع الشعارات التى ترفعها. كما أن غالبية هؤلاء الشباب لا يقبلون بمنطق الكبار القائم على أن رفض مادتين أو ثلاث فى الدستور لا يعنى رفض الوثيقة برمتها، أو الدعوة إلى التصويت ضدها بـ«لا»، لأن ذلك من شأنه دعم وتقوية موقف جماعة الإخوان التى تبذل كل جهدها لإسقاط النظام الحالى برمته.
عندما ألتقى بهؤلاء الشباب يقولون إنهم سيصوتون بـ«لا» على الدستور، لأنهم يرفضون مواد المحاكمات العسكرية، واشتراط موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة أولا على شخصية من سيتولى وزارة الدفاع فى انتقاص واضح لحقوق رئيس انتخبه الشعب مباشرة، إلى جانب تحفظات متفاوتة بشأن إلغاء نسبة الخمسين فى المئة المخصصة للعمال والفلاحين والمواد الخاصة بضمان العدالة الاجتماعية، أو سلطات رئيس الجمهورية. ولكن السبب الأهم يبقى شعورهم العميق بأن التغيير الحقيقى لم يتحقق فى مصر بعد، وأن الدستور الذى سيصوت عليه المصريون خلال شهر لن يكون غالبا هو الوثيقة الحاكمة لسنوات قادمة. وأكبر دليل بالنسبة إليهم أن شيئا لم يتغير هو أنهم لا يزالون يواجهون الظلم والاعتقال فى السجون.
الرئيس السابق مرسى تراجع فى أقل من 12 ساعة عن قانون كان سيترتب عليه زيادة الضرائب، وبالتالى الأسعار، لأنه أدرك أن التمسك بالقانون قد يؤثر سلبا على التصويت على الدستور الذى أعده الإخوان بمفردهم قبل عام. كما وافقت الجمعية التأسيسية الإخوانية على تأجيل اتخاذ قرار بإلغاء نسبة الخمسين فى المئة «عمال وفلاحين» فى المجالس المنتخبة فى دستور 2012، كذلك لنفس السبب. أما حكومتنا الحالية فهى تقوم بكل ما من شأنه دفع مزيد من المواطنين، والأهم الشباب، للتعبير عن غضبهم من سياساتها بالتصويت بـ«لا» على الدستور المقبل. أفرجوا عن أحمد دومة وعلاء عبد الفتاح وأحمد ماهر.
شاركنا رأيك وكن اول من يقوم بالتعليق :)[ 0 ]
إرسال تعليق