يجد قادة جماعة الإخوان أنفسهم الآن فى مواجهة معضلة شديدة الصعوبة مع اقتراب موعد الاستفتاء على مشروع الدستور المعدل مطلع الشهر المقبل، وذلك لاتخاذ قرار إما بالمقاطعة، وإما بالمشاركة والتصويت بـ«لا»، ومن سخرية الأقدار أن هذه المعضلة تتشابه إلى حد كبير مع الموقف الذى مر به قادة جبهة الإنقاذ الوطنى قبل عام عندما اقترب موعد التصويت على الدستور الذى أعده الإخوان بمفردهم ومعهم حلفاؤهم من الأحزاب الإسلامية الأخرى. فى ذلك الوقت كان هناك اتجاهان متصارعان داخل جبهة الإنقاذ: الأول يدعو إلى مقاطعة التصويت على اعتبار أن دستور 2012 لم يكن يمثل سوى من قاموا بكتابته، خصوصا بعد انسحاب ممثلى كل الأحزاب المدنية والمرأة والكنيسة من «لجنة المئة»، وكان أنصار هذا الموقف يرون أن المقاطعة من شأنها التشكيك فى شرعية ذلك الدستور وتأكيد أنه وثيقة تخص الإخوان وأنصارهم فقط، لا كل المصريين.
وفى المقابل، كانت الجبهة تتعرض لضغوط قوية من الشارع الذى كان غاضبا من الإعلان الدستورى الديكتاتورى الذى أصدره مرسى فى 22 نوفمبر 2012 وما تلاه من اعتصامات ومظاهرات ضخمة سواء فى ميدان التحرير أو أمام قصر الاتحادية. وكان كثير من المواطنين يطالبون بالمشاركة والتصويت بـ«لا» من أجل إسقاط ذلك الدستور المعيب الذى كان الأسوأ على الإطلاق فى مجال ضمان حقوق المواطنين وحرياتهم، ويشعرون أن فى قدرتهم القيام بذلك. وفى النهاية، وبعد كثير من الشد والجذب والخلافات بين أعضاء الجبهة من قادة الأحزاب، تم اتخاذ قرار بالمشاركة والتصويت بـ«لا» وذلك قبل أيام قليلة فقط من موعد الاستفتاء الذى جرى فى 15 ديسمبر، أو قبل عام بالتمام والكمال.
بالطبع الداعون للمقاطعة كانت لهم وجهة نظر معتبرة، وهى أن مجرد المشاركة ستمنح دستور 2012 شرعية واعترافا به من قبل الجبهة، بعد إقراره كما كان متوقعا، وبغض النظر عن حجم المصوتين بـ«لا.» ولكن من ناحية أخرى، فلقد كان الإخوان، كما هم حتى الآن، يشككون فى شعبية الجبهة والمؤيدين للأحزاب المدنية عموما، ويرون أنهم لا يمثلون سوى أقلية صغيرة من الشعب المصرى لا وزن لها. والاستخفاف بالمعارضة والتقليل من شأنها كانت علامة مميزة لسنة حكم الإخوان السوداء، ولا يزال المتحدثون باسمهم يرفضون حتى الآن الاعتراف بحجم الغضب الشعبى من سياسات الإخوان التى بلغت قمتها فى مظاهرات 30 يونيو التى شارك بها ملايين المصريين، بينما تمسك قادة الجماعة بعناد وغرور وغباء أن عدد المتظاهرين لم يتجاوز مئات الألوف وربما مليون على أقصى تقدير. ورغم كل الصعوبات، وانقسام القضاة حول الإشراف على الاستفتاء، والتزوير الذى شاب عملية التصويت، والطوابير الطويلة التى امتدت لساعات أمام لجان الانتخاب، فلقد تمكنت الأحزاب المدنية من تحقيق ما أعتقد أنه كان انتصارا هاما، وهو أن حجم المصوتين بـ«لا» اقترب من نحو أربعين فى المئة تقريبا. وهى النسبة التى منحت جبهة الإنقاذ كثيرا من الثقة بنفسها وقدرتها على الحشد، والتى تجددت مع انطلاق حركة «تمرد» واقتراب موعد الثلاثين من يونيو. وبالتالى، فلا أعتقد أن قرار المشاركة فى الاستفتاء على دستور 2012 كان خاطئا، حتى وإن أدى لاحقا إلى تحقيق ما كان يحذر منه أنصار المقاطعة من ادعاء الإخوان أنه تحول إلى دستور شرعى بعد الموافقة عليه بنسبة 63 فى المئة، مع الوضع فى الاعتبار أن إجمالى من تمكنوا من المشاركة فى الاستفتاء لم يمثلوا سوى 32 فى المئة ممن يحق لهم التصويت. ولكن فى جميع الأحوال، وفى أسوأ الظروف، لم تلجأ جبهة الإنقاذ، ولم يكن فى إمكانها أساسا، إلا إرهاب المواطنين من أجل منع الاستفتاء على الدستور، وهو ما نرى أنه يحدث الآن على يد أنصار جماعة الإخوان والأحزاب المؤيدة لهم، سواء عبر العمليات الإرهابية التى نعانى منها منذ التخلص من مرسى فى سيناء والقاهرة، ومؤخرا فى الإسماعيلية، أو عبر مظاهرات الطلبة المتواصلة دون توقف على مدى الشهور الثلاثة الماضية تقريبا فى مختلف المحافظات بكل ما يشوبها من عنف وحرائق. بالطبع لا يمكن إنكار أن استخدام الشرطة للعنف المفرط فى مواجهة الطلبة، وسقوط عدد منهم قتلى، لا يؤدى سوى إلى زيادة الموقف سوءا واشتعالا، ولكن تبقى النية مبيتة، وبوضوح من قبل جماعة الإخوان وأنصارهم القيام بكل ما هو ممكن من إرهاب وفوضى من أجل منع عقد الاستفتاء من الأساس.
وقبل أن يصرخ الإخوان مولولين أنه لا علاقة لهم بالعمليات الإرهابية التى يسقط فيها شهداء من جنود وضباط الشرطة والجيش، فإنه من غير الممكن الإنكار أنهم المستفيد الأول منها، وأنها تخدم هدفهم الأساسى القائم على الزعم بأن مصر لن تشهد استقرارا أمنيا بعد التخلص من مرسى، أو كما قال د.محمد البلتاجى فى تصريحه الشهير قبل إلقاء القبض عليه، إنه فى اللحظة التى يعود فيها مرسى للحكم، تتوقف العمليات الإرهابية التى رأى فيها «مظاهر غضب مشروعة».
لماذا لا يختار قادة الإخوان خيار المشاركة والتصويت بـ«لا» على دستور 2013 لو كانوا بالفعل واثقين أن غالبية الشعب المصرى تدعمهم وتقف خلفهم؟ ألم يزعم قادة الإخوان فى تصريحاتهم الخزعبلية الوهمية أن اعتصامى رابعة والنهضة شارك بهما ملايين الملايين من المصريين؟ أظهروا ملايينكم هذه بدلا من التستر والدعم المبطن للإرهاب لو كنتم بالفعل صادقين. الاعتراف بالحق فضيلة يا من تدعون الفضيلة، ولتثبتوا لنا ولو لمرة واحدة أن الإخوان جماعة يمكن أن تتعلم من خطاياها. شاركوا فى الاستفتاء وأسقطوه بأصواتكم التى تزعمون أنها الأغلبية بدلا من الدعم المستتر للإرهاب الذى من المستحيل أن يقبل المصريون أن يتم ابتزازهم به.
شاركنا رأيك وكن اول من يقوم بالتعليق :)[ 0 ]
إرسال تعليق